هدنة بقرار الدولة… ونهاية وهم السلاح الخارج عنها

في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، يتكرّس واقع جديد لا يمكن القفز فوقه وهو ان الدولة اللبنانية، بمؤسساتها الشرعية، هي التي فاوضت، وهي التي قررت، وهي التي انتزعت وقف إطلاق النار وفرضت هدنة تمتد لعشرة أيام، بدءاً من 16 نيسان 2026. هذه ليست تفصيلاً تقنياً، بل تحوّل سياسي عميق يعيد تثبيت من يمثّل لبنان فعلياً على طاولة القرار.
الاتفاق، كما تفهمه الولايات المتحدة وتبنّته الأطراف المعنية، يقوم على مجموعة نقاط واضحة:
أولاً، التزام متبادل بوقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل، لمدّة أولية تبلغ عشرة أيام، تفتح الباب أمام مفاوضات جدية نحو اتفاق دائم للأمن والسلام.
ثانياً، إمكانية تمديد هذه الهدنة مشروطة بالتقدم الفعلي في المفاوضات، وبقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها.
ثالثاً، احتفاظ إسرائيل بحق اتخاذ إجراءات دفاعية في أي وقت ضد تهديدات وشيكة أو هجمات مخططة، بالتوازي مع توقفها عن العمليات العسكرية الهجومية داخل لبنان.
رابعاً، التزام الحكومة اللبنانية، وبدعم دولي، باتخاذ خطوات عملية لمنع حزب الله وأي مجموعات مسلّحة غير شرعية من تنفيذ أي هجمات أو أنشطة عدائية.
خامساً، إقرار صريح بأن القوى الأمنية اللبنانية وحدها مسؤولة عن سيادة لبنان والدفاع عنه، وأنه لا دور لأي جهة أخرى كضامن لهذه السيادة.
سادساً، طلب مشترك من لبنان وإسرائيل للولايات المتحدة لتسهيل مفاوضات مباشرة بهدف حل كل القضايا العالقة، بما فيها ترسيم الحدود، وصولاً إلى اتفاق شامل يضمن الاستقرار والسلام.
هذه البنود، بوضوحها وصراحتها، لا تترك مجالاً للتأويل وتؤكد ان السلاح الخارج عن الدولة لم يعد مقبولاً كأمر واقع، بل أصبح عبئاً يجب ضبطه وإنهاء دوره.
وهنا بيت القصيد، فلو كان “حزب الله” قد انتصر فعلاً في هذه الحرب، لما كنا أمام نص يمنح إسرائيل حرية التحرك الدفاعي خلال الهدنة، بما في ذلك استهداف أي تهديدات وشيكة أو أعمال تُصنّف إرهابية قبل وقوعها. المنتصر لا يقبل بهامش حركة لخصمه، ولا يوقّع على تفاهم يقيّد نفسه ويُبقي يد الطرف الآخر طليقة في لحظات يعتبرها “دفاعاً عن النفس”.
الواقع أن ما حصل هو العكس تماماً. النص يعكس ميزان قوى واضح، فهناك جهة مضطرة لضبط الساحة الداخلية ومنع أي عمل عسكري، وجهة أخرى تحتفظ بحق الرد والتحرك عند الحاجة.
لذلك فإن هذه ليست معادلة انتصار، بل نتيجة مباشرة لخسارة القدرة على فرض الشروط.
الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها هي أن هذه الحرب انتهت بنتيجة سياسية واضحة وهي أن “حزب الله” لم ينجح في فرض معادلة، بل وجد نفسه أمام قرار دولي وإقليمي أعاد الملف بالكامل إلى يد الدولة اللبنانية. فلو كان الحزب في موقع قوة، لما كان هناك نص صريح يحمّل الدولة مسؤولية منعه من تنفيذ أي عمل عسكري، ولما كان هناك اعتراف دولي حصري بشرعية القوى الأمنية اللبنانية دون سواها.
ما حصل ليس مجرد هدنة، بل إعادة رسم لموازين القرار داخل لبنان. فالدولة، التي طالما تم تهميشها، عادت لتكون العنوان الوحيد للتفاوض، والجهة الوحيدة المخوّلة إدارة الأمن والسيادة. وهذا بحد ذاته إعلان واضح عن سقوط نظرية “الدولة داخل الدولة”.
قد يحاول البعض تصوير هذه المرحلة كتنازل أو ضغط خارجي، لكن الوقائع تقول عكس ذلك لانه حين تكون الدولة هي من يفاوض، وهي من يوقّع، وهي من يلتزم، فهذا يعني أنها استعادت موقعها الطبيعي. أما السلاح الذي عمل خارج هذا الإطار، فقد أثبتت الحرب أنه غير قادر على حماية لبنان، بل جرّه إلى مواجهة مكلفة انتهت بإعادته إلى حجمه الحقيقي.
اليوم، أمام لبنان فرصة نادرة وهي تحويل هذه الهدنة إلى مسار دائم نحو الاستقرار، واستكمال تثبيت سيادة الدولة على كامل أراضيها.
وبات الخيار واضحاً ايضا إما دولة واحدة بقرار واحد، أو استمرار دوامة الانهيار.
والرسالة الأوضح من هذا الاتفاق هي ان زمن القرارات الموازية انتهى، وزمن الدولة قد بدأ.

