ما لا يقال في عيد الأب : آباء الجنوب اللبناني… وحكايات الصمود في حاصبيا والعرقوب

في كل عام، يأتي عيد الأب محمّلًا بالكلمات الجميلة والصور العائلية وعبارات الامتنان. لكن في الجنوب اللبناني، حيث لا تزال الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على الناس والأرض، يبدو للأبوة معنى آخر لا تختصره المعايدات ولا تكفيه الكلمات. هنا، يصبح الأب أكثر من مجرد ربّ أسرة؛ يصبح حارسًا للبيت، وذاكرةً للمكان، وجسرًا تعبر عليه العائلة نحو أيامٍ تأمل أن تكون أقل قسوة.
في حاصبيا والعرقوب، كما في كثير من قرى الجنوب، لا يُقاس الآباء بما يقولونه، بل بما يتحملونه. ففي زمنٍ تتنازع فيه الناس مخاوف الحرب وأعباء الحياة، يحمل الأب على كتفيه ما هو أكبر من مسؤولية تأمين لقمة العيش. يحمل قلق أبنائه، وطمأنينة زوجته، ووجع أرضه، وأسئلة المستقبل التي لا يملك لها إجابات واضحة. ومع ذلك، يستيقظ كل صباح وكأن عليه أن يكون أقوى من كل شيء.
وما لا يُقال في عيد الأب، أن كثيرًا من هؤلاء الرجال يعيشون معركة صامتة لا يراها أحد. معركة الحفاظ على تماسك العائلة في زمن التشتت، وعلى الأمل في زمن الإحباط، وعلى الإيمان بالحياة في زمن تبدو فيه الأخبار اليومية محمّلة بالخسارات. يخفون خوفهم كي لا يراه أطفالهم، ويؤجلون تعبهم لأن المسؤوليات لا تنتظر، ويواصلون السير لأن هناك من يعتمد عليهم في كل خطوة.
في القرى الممتدة بين التلال والوديان، حيث يعرف الناس معنى التمسك بالأرض، تبدو الأبوة مرتبطة بفكرة البقاء نفسها. فالأب هنا لا يورّث أبناءه منزلًا أو قطعة أرض فحسب، بل يورّثهم قصة انتماء. يعلمهم أن للبيوت أرواحًا، وأن للأشجار ذاكرة، وأن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، بل جزء من هوية الإنسان وكرامته. لذلك، فإن صمود الآباء في هذه المناطق لم يكن يومًا فعلًا فرديًا، بل كان حفاظًا على مجتمع كامل من الانكسار.
وربما كانت أقسى أدوار الأب أن يبدو مطمئنًا عندما يكون قلقًا، وأن يزرع الأمل حين يحتاج هو نفسه إلى من يزرعه في قلبه. ففي أوقات الأزمات، يتحول الأب إلى ملجأ نفسي لأسرته، حتى لو كان داخله مثقلًا بالهواجس نفسها. وهذه واحدة من الحقائق التي نادرًا ما تُذكر في عيد الأب: أن القوة ليست غياب الخوف، بل القدرة على الاستمرار رغم وجوده.
في حاصبيا والعرقوب، كما في سائر الجنوب، ثمة آباء لم تُكتب أسماؤهم في الأخبار، ولم تُروَ قصصهم على الشاشات. رجال بسطاء يقفون كل يوم في مواجهة ظروف استثنائية، ويصرّون رغم كل شيء على أن تبقى الحياة ممكنة. هم الذين يفتحون أبواب منازلهم للطمأنينة وسط القلق، ويحافظون على تفاصيل الحياة اليومية كأنها شكل من أشكال المقاومة الهادئة في وجه الفوضى.
وفي هذا العيد، قد لا تكون الهدية الأجمل للأب وردة أو كلمة عابرة، بل الاعتراف بحجم ما يحمله بصمت. الاعتراف بأن كثيرًا من الاستقرار الذي نعيشه بُني على تضحيات لم نرها، وأن كثيرًا من الأمان الذي نشعر به كان ثمرة قلق أخفاه عنا. فالآباء لا يطلبون الكثير، لكنهم يستحقون أن يُنظر إلى ما وراء صمتهم، وأن يُقدَّر ما بذلوه في سبيل من يحبون.
لذلك، فإن عيد الأب هذا العام ليس مجرد مناسبة للاحتفال، بل فرصة للتأمل في معنى الأبوة حين تُختبر بالأزمات، وفي قيمة الرجال الذين اختاروا أن يكونوا سندًا لعائلاتهم في أصعب الظروف. ومن الجنوب اللبناني، من حاصبيا والعرقوب تحديدًا، تخرج حكايات كثيرة قد لا تُقال، لكنها تبقى شاهدة على أن الصمود ليس شعارًا يُرفع، بل حياة يعيشها أناس عاديون كل يوم.
في عيد الأب، تحية لكل أبٍ جنوبيّ حمل همّ عائلته وهمّ أرضه معًا، ولكل أبٍ ما زال يؤمن بأن الأوطان تُبنى بالصبر، وأن الأبناء يستحقون مستقبلًا أجمل مهما اشتدت العواصف. فبين ضجيج الحرب وصمت القرى، تبقى الأبوة واحدة من أنبل صور القوة الإنسانية، وتبقى قصص الآباء هي الحكايات التي تستحق أن تُروى دائمًا.
لودي غانم

